أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

31

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قلت : وهذه الآية قد أكثر الناس فيها القول فتتبّعته وقرنت كلّ شيء بما يلائمه . قوله : مَنْ يَشاءُ مفعول « يَشاءُ » محذوف أي : من يشاء تأييده والباء سببية ، أي : بسبب تأييده وهو تفعيل من الأيد وهو القوة . وقرأه ورش « يويّد » بإبدال الهمزة واوا محضة وهو تسهيل قياسي قال أبو البقاء وغيره « ولا يجوز أن تجعل بين بين لقربها من الألف ، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا ، ولذلك لم تجعل الهمزة المبدوء بها بين بين لاستحالة الابتداء بالألف » . قلت : مذهب سيبويه « 1 » وغيره في الهمزة المفتوحة بعد كسرة قلبها ياء محضة وبعد الضمة قلبها واوا محضة للعلة المذكورة ، وهي قرب الهمزة التي بين بين من الألف ، والألف لا تكون ضمة ولا كسرة . و « لِأُولِي الْأَبْصارِ » صفة ل « عبرة » أي : عبرة كائنة لأولي الأبصار . والعبرة : فعلة من العبور كالرّكبة والجلسة ، والعبور : التجاوز ، ومنه : عبرت النهر ، والمعبر : السفينة لأنّ بها يعبر إلى الجانب الآخر ، وعبرة العين : دمعها لأنها تجاوزها ، وعبّر بالعبرة عن الاتّعاظ والاستيقاظ لأن المتّعظ يعبر من الجهل إلى العلم ومن الهلاك إلى النجاة . والاعتبار انتقال منه ، والعبارة : الكلام الموصل إلى الغرض لأنّ فيه مجاوزة ، وعبرت الرؤيا وعبّرتها مخففا ومثقلا ، لأنك نقلت ما عندك من تأويلها إلى رائيها . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 14 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ : العامة على بنائه للمفعول ، والفاعل المحذوف هو اللّه تعالى ؛ لما ركّب في طباع البشر من حبّ هذه الأشياء ، وقيل : هو الشيطان ، عن الحسن : « من زيّنها ؟ إنما زيّنها الشيطان لأنه لا أحد أبغض لها من خالقها » . وقرأ مجاهد : « زيّن » مبنيا للفاعل ، « حُبُّ » مفعول به نصا ، والفاعل : إمّا ضمير اللّه تعالى لتقدّم ذكره الشريف في قوله تعالى : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ « 2 » ، وإمّا ضمير الشيطان ، أضمر وإن لم يجر له ذكر ، لأنه أصل ذلك فذكر هذه الأشياء مؤذن بذكره . وأضاف المصدر لمفعوله في « حُبُّ الشَّهَواتِ » . و الشَّهَواتِ : جمع « شهوة » بسكون العين ، فحرّكت في الجمع ، ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة كقوله : 1198 - وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها * ومالي بزفرات العشيّ يدان « 3 » بتسكين الفاء . والشهوة : مصدر يراد به اسم المفعول أي : المشتهيات فهو من باب : رجل عدل ، حيث جعلت نفس المصدر مبالغة ، والشهوة : ميل النفس ، ويجمع على « شهوات » ، كالآية الكريمة ، وعلى « شهى » كغرف ، قالت امرأة من بني نضر بن معاوية :

--> ( 1 ) انظر الكتاب 3 / 541 - 542 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 13 ) . ( 3 ) البيت لعروة بن حزام انظر ديوانه ( 4 ) أوضح المسالك 3 / 251 ، الأشموني 4 / 118 ، الدرر 1 / 6 ، الهمع 1 / 24 ، الدرر 1 / 6 ، التصريح على التوضيح 2 / 298 ، المقرب 2 / 53 .